محمد باقر الملكي الميانجي
35
مناهج البيان في تفسير القرآن
رسالتنا المستقلّة الآتية حول الروح في القرآن بعد هذه السورة . قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ » . الظاهر أنّهم لا يتكلّمون إجلالا لكبريائه ، وتواضعا لجلاله ، لا لأجل أنّهم لا يملكون التكلّم ولا يقدرون عليه تكوينا . وانتظارهم لإذنه تعالى بأن يتكلّموا في شيء ، يرجع إلى شؤون هذا الموقف من شفاعة أو إبراز حاجة ، وإنّما هو لمراعاة أدب العبوديّة ؛ بخلاف قوله - تعالى شأنه - : « لا يَمْلِكُونَ » . فإنّ الآية الكريمة صريحة في أنّ الخطاب منه تعالى غير مملوك وغير مقدور لهم . وفي تفسير المقام وجهان آخران : أحدهما : قال الرازيّ في تفسيره 31 / 23 : واعلم أنّه تعالى لمّا ذكر أنّ أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب اللّه في شيء ، أو يطالبه بشيء ، قرّر هذا المعنى وأكّده فقال تعالى : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً » . وثانيهما : قال بعض المفسّرين : إنّ قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ » بيان لقوله تعالى : « لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً » . وهو عجيب ؛ لوضوح أنّ المنفيّ في قوله تعالى : « لا يَمْلِكُونَ » إنّما هو مالكيّة ما سواه تعالى على خطابه - وبعبارة أخرى : نفي مالكيّة غيره تعالى على شأن من شؤونه سبحانه - وفي قوله : « لا يَتَكَلَّمُونَ » أنّ الحاضرين في يوم الفصل والقضاء لا يتكلّمون بشيء إجلالا وتعظيما للّه - سبحانه - منتظرين لإذنه وأمره . فالمنفيّ في الآية السّابقة غير المنفيّ في الآية اللّاحقة ، ولا ارتباط بينهما بوجه . فلا محصّل لكون قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ » بيانا لقوله تعالى : « لا يَمْلِكُونَ » . ومنه يعلم وهن ما ذكره الرازيّ أيضا من أنّ قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ » تأكيد لقوله تعالى : « لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً » ؛ لما عرفت أنّ مفاد الآية اللّاحقّة غير مفاد الآية السّابقة . فلا محصّل لكونها تأكيدا للآية السّابقة . على أنّ في عبارة الرازيّ وهنا آخر . فإنّ الظّاهر من قوله تعالى : « لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً » أنّ أحدا من الخلق لا يتمكّنون أن يوجبوا عليه تعالى مخاطبة أحد من